هو الاستفتاء بما الحال أفتى

تمر عجلة السياسة مسرعة، فوق مطبات أرضية غير معبدة،على إيقاع نفسيات السياسيين الموزعين بين رسوخ يقين الماضوية الدفينة في طيات عقلياتهم العصية على التحول و بائس حاضر التناقض الصارخ بين ضعف العطاء و غياب الخطاب من جهة، و نبذ الواقعية و متطلبات الخوض في سياسة بناء الوطن الحديث من جهة أخرى بعيدا ، بكل المقاييس، عن حالة النشاز الاستثنائية المعيشة عندهم في عصر الديمقراطية الزاحفة خارجا عند غيرهم.

و لا يحتاج إثبات هذا الواقع المؤسف إلى تنظير أو تبرير إذ الوضع السياسي برتابة حراكه و هشاشة مقوماته و سلبية أدائه يشكل حِلقا مفرغة من ضعف التعاطي و خلو المواضيع من أبعاد الوطن المركب و لكنها المشحونة بغريزة الفوضوية و العبثية من عقلية “السيبة” في بعديها التسلطي و الاستحواذي المادي.
و ليس العجز عن الحوار الشامل إلا مظهرا متقدما من مظاهر هذا الإخفاق في الممارسة، التي هي إحدى ضرورات استقامة الدول و استمرارية بقائها، إخفاق معبر عن ذاته و دال عليها يكشفه جملةً و افصيلا ما هو قائم من انسداد آفاق أي حوار، يأتي من منطلق وطني لا مزاجي أو غرضي، أو تطابق على الأقل في ضرورات الانسجام و السير معا رغم الاختلاف المشروع في الطرح و الرؤى الإجمالية و تصور الحلول المنهجية.
و لعل من أسباب هذا الإخفاق السياسي عدم القدرة على تحرير مواثيق و دساتير وطنية منطلقها و مستندها من صميم الثوابت المشتركة و الأهداف التقدمية. و هو الضعف الشديد، رغم وفرة الفقهاء في القانون بكل أوجهه، الذي دفع إلى الاستمرار في استنساخ كل الدساتير الفرنسية على غير هدى و عدم القدرة حتى على مسايرة التطورات التي حصلت فيها على مر المراحل الزمنية و آخرها ما يجري الإعداد له حاليا في خطوة تهدف مع “أمانويل ماكرون Emanuel Macron” إلى تهذيب أو تقويم الأخلاق في الحياة السياسية الفرنسية.
و مما يؤشر على هذا النقص الخطير الذي تجاوزته كل شعوب العالم و قد حررت دساتيرها طبقا لخصوصياتها و توافقات سياسييها على القواسم الوطنية المشتركة و الثوابت المقدسة، ما آل إليه الوضع مؤخرا بعد أزمة غرفة الشيوخ من تأويلات متباينة أو حتى متناقضة في الفقه الدستوري بين الأغلبية المشرعة للاستفتاء و تلك الصادرة عن القائلين ببطلانه. و اللافت حقا أن أحدا من الفريقين لم فيما ذهب إليه عن سياقات الدساتير الفرنسية و لا عن ضرب الأمثلة برؤسائها و فقهائها في فترات ولت و قد ألغاها التطور الكبير في مسار القانون الدستوري المتغير للاستجابة إلى لتحولات الكبرى في الذهن و الممارسة.
و لما لم يجد كل هؤلاء المنطلقات الخاصة بالبلد، المستقل ما يزيد على ستة عقود، فقد أقدموا على الانفراد كل فوق فرسه حتى وصلت الأمور حد التوقف عن الكلام في الأمور المشتركة و إلى أقصى حدود التنافر و التدابر.
و اليوم و قد بدا أن الأغلبية و المعارضة المحاورة بفتوى فقهائها قررت جميعها أن لا تعبأ بمواقف مجلس الشيوخ بأغلبية رافضيه للتعديلات الدستورية و قد أكدت على أنها ماضية إلى إجراء الاستفتاء، فإن  المعارضة الرافضة، و إن هي ما زالت مصرة على القول بعدم شرعية الاستفتاء واصفة إياه بالانقلاب على الدستور، بقيامها هي الأخرى في خطوة استدراكية بدعوة مناضليها و مناصري خطها السياسي و مواقفها بالتسجيل الفوري على لوائح المنتخبين للتوجه إلى صناديق الاقتراع و التصويت ضد التعديلات، إنما تعترف بأن أخطاءها ما زالت تنم عن بعد النضج السياسي الذي يحتاط للأمور و لا يترك الثغرات القاتلة للحظات الأخيرة حتى يدرك خطورة مقالبها، كما تقر بأنه الاستفتاء قادم بما الحالُ به أفتى و هيئت له الأسباب و أنها جولة جديدة في مرير الصراع السياسي  بفقه الآخرين الدستوري و لكن بعقليات الصراع على الكراسي و تأمين المصالح الأنانية و المآرب الضيقة.

تعليقات