ليبيا التي لم أزر يوما

جمعتني رحلة ماتعة الى الشرق الموريتاني رفقة صديق عزيز اشتركنا مقاعد الدرس لسنوات عديدة بشباب ظُرف مثقفين مقبلين على الحياة بنهم ﻻ تفارق النكتة المضحكة الساخرة فم الواحد منهم و ﻻ تسمع منهم إﻻ أحاديث تطرب لها يخوضون بك غمار الثقافة و ميداين اﻷدب بقديمه حين يسامرون الملك الضليل و يتناشدون شعر ابن الزيدون في بنت المستكفي وحديثه حين ﻻ ترسوا سفن وقوارب حديثهم على أي شاطئ من شواطئ الحضارة الإسلامية العربية إلا ليقتنصوا من شوارد سرب نعاجه التي تعن بين الفينة واﻷخرى مرسلين سهام انتقائهم التي طالما عادت بغنائم يعجز عنها اﻷصمعي وأبو تمام والضبي و آدونيس وطه حسين. منهم المهندس العارف بتخصصه المجيد لعدة لغات عالمية ومنهم الإعلامي المبدع ومنهم القارئ النهم ومنهم المثقف ثاقب الذهن صافي اﻷخيلة.

حدث وأن تعطلت إحدى سياراتنا قبل أن نصل مدينة أبي تلميت كانوا سعداء جدا بذالك التوقف اﻻضطراري -عكسي تماما- نصبوا خباء كانو معتادين على حمله وبدأت الكؤوس تناجي ليل الصحراء وبدأ اﻻبريق زغاريد الفرح بليل طالما حلم به وتجمع الكل حول نار أشعلها أحد الشباب على عجل وبدأت الحكايات والنقاشات دونما أي استئذان وطال السمر فالشباب ليسو على عجلة من أمرهم. لمست من حديث الشباب تأسفا على حال امتنا الإسلامية وما وصلت اليه من دمار وخراب أسهمت فيه اﻷنظمة بدكتاتوريتها وأعانت عليه الشعوب بتخلفها وجهلها وزاد فيه جشع النخب وتملقها وكان محل ترحيب من أعداء اﻷمة الذين هللوا له وصفقوا وﻻ غرابة في ذالك فمن عادة أعداء اﻷمة ان يفرحوا لمصابها ويسعدوا أيام ضعفها ووهنها متكالبين على خيراتها و مقدراتها. طال الحديث وتشعب ليصل بنا الى ليبيا الجريحة وهم القادمون منها بعد ان حاصرتهم حمم النار وجرت من تحتهم الدماء انهارا فارقوها وهم محزونون على بلاد ألفوها وألفتهم محزونون على وطن احتضنهم كما احتضن غيرهم، وطن عاشوا فيه وفيه تعلموا وعملوا ،وطن قدموا إليه هم واسرهم هربا من واقع سيطر عليه الفقر والحرمان فتلقاهم باﻷحضان كما فعل مع المئات بل اﻵﻻف من الموريتانين وحدهم وأضعافهم من جنسيات ومشارب أخرى.

تحدثوا بحرقة عن اﻷخبار الواردة من هناك عن تقارير وكاﻻت اﻷنباء وعن أعداد الضحايا جراء صراع العصابات وعن الدم الليبي المتوزع بين القاعدة وداعش و عصابات الجيش وقوى الثورة. تحدثوا عن كل ذالك واﻷلم يعتصرهم على وطن ضاع وما عاد من أمل في عودة الحياة من جديد اليه في المنظور القريب. تحدثوا عن الحال التي أوصل الليبيون اليها وطنهم دونما خوض في تحديد المسؤلية ومن يتحمل الجرم المهم عندهم انه وطن ضاع وطن تأتيه اﻷدوية من اتشاد و تتناحر فيه العصابات على مابقي من آبار للنفط وطن أحالت حرب الأشقاء الليل فيه نهارا والنهار ليلاً، ﻻ أحد يستطيع النوم بأمان ،الجار متوجس من جاره ينام و اﻷصبع على الزناد.

ﻻ يهمهم الخوض في مسؤلية النظام السابق وﻻ عن الحملة التحريضية التي قامت بها القوى المعارضة له وﻻ يهمهم فرح ذاك الفصيل السياسي او ذاك بقصف الناتو وﻻ الحملات الإعلامية الموازية و ﻻ السيل الجارف من الاصطفافات المدمرة.

المهم عندهم أنه وطن عمل الجميع على العودة به الى العصور الحجرية و أسهم الجميع في دفنه تحت أكوام الجثث وتحت الدمار. تذكرت تلك الرحلة وحديث الشباب الذين جمعتني بهم ووكاﻻت اﻷخبار تطالعنا من يوم ﻵخر بحزمة من اﻷخبار غير السارة عن الشقيقة ليبيا تذكرت كل ذالك وو سائل الإعلام تتحدث عن اﻻنتقال الممنهج لداعش وعصابات القتل الى ليبيا تذكرت كل ذالك وانا اتابع الفشل المتواصل في خلق وفاق وطني شامل يعيد الدولة الوطنية الى تلك المنطقة المنكوبة.

إنها لعنة التحطيم الممنهج لليبيا فقد ذهب النظام ومن بقي من رجاله مابين مسجون وهارب مطارد و تفرقت أركان دولته وتشتت نظامه لكن الثائرين عليه فشلوا في جلب بديل و الحديث عن استبداد النظام بالحكم و دكتاوريته في تسيير دولته ما عاد له مكان بعد ان حول الناتو والمتشددون والمسترزقون ليبيا الى كومة رماد وعاش الليبي اتعسأيامه.

كل هذه المسائل تعيد الى الذهن من جديد العلاقة بين شمولية الحكم ودكتاوريته والمصير المحتوم لتفتت الدول عند ازالة هذا الحكم وتعيد كذالك الى النفس إيمانها الراسخ بأن الثورات نتاج تكاملات داخلية وليست معلبات يتم استيرادها و استجلابها وو ان حفظ الأوطان مسؤلية وواجب الجميع و أنه لا وطن بمعزل عن رياح التشرذم فغبار وشظايا الدمار تلوح مع كل عاصفة.

تعليقات

مواضيع ممكن أن تعجبك إقرأ أيضاً