حقيقة حرية التعبير في اوروبا والعقوبات المترتبة على الاساءة للديانات

(حرية التعبير) هي حجر الزاوية في التعبير عن الحرية التي ناضلت الشعوب الغربية من أجلها على امتداد ثلاثة قرون، وقد اكتسبت قدسية خاصة؛ لأنها تمثل رمزًا للإرث النضالي لتلك الشعوب، واليوم (حرية التعبير) وغيرها من الحريات الدينية والسياسية من أساسيات الممارسة السياسية في الغرب، وأي دعوة لتقييد تلك الحرية تعد – من وجهة نظر غربية – انتكاسة حضارية وتخليًّا عن مكسب استحقه الشعب نتيجة نضال شعبي طويل.
لكن الإشكال هنا ما حدود حرية التعبير؟ وهل هي مطلقة من دون أي قيد في الدساتير الغربية؟ في الإجابة على هذين السؤالين هناك أمران؛ الأمر الأول: أنه لا يوجد في أي دستور لأي دولة في العالم حرية تعبير مطلقة، فكل دولة لديها تقييد في حرية التعبير؛ فبالإضافة إلى الضوابط العامة المتفق عليها فيما يتعلق بالتشهير بالأفراد والافتراء عليهم، وانتهاك حرية الآخرين، والدعوة للعنف، فثمة قيود على حرية التعبير في بعض الدول الغربية، فمثلا الإساءة للدين تعد عملا مخالفا للقوانين في القانون الجنائي في النمسا، والقانون الجنائي في فنلندا، وأيضًا في القانون الجنائي في هولندا وإسبانيا، وهناك بنود مشابهة في قوانين إيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ويمنع القانون الفرنسي أي كتابة أو حديث علني يؤدي إلى حقد أو كراهية لأسباب عرقية أو دينية، ويمنع – أيضا – تكذيب جرائم الإبادة الجماعية ضد اليهود من قبل النازيين، ويمنع – أيضا – نشر أفكار الكراهية بسبب الميول الجنسية لفرد، وقد اتهم القضاء الفرنسي المفكر الفرنسي رجاء جارودي بتهمة معاداة السامية، والقانون الأساسي الألماني يضع لحرية التعبير حدودًا تمنع خطابات الكراهية ضد العرق والدين والميول الجنسية، إضافة إلى منع استعمال الرموز النازية مثل الصليب المعقوف.
وفي بولندا تعد الإساءة إلى الكنيسة الكاثوليكية جريمة يعاقب عليها القانون، وقد تم الحكم بالسجن لمدة 6 أشهر على الفنان البولندي دوروتا نيزنالسكا في 18 يوليو 2003 لرسمه صورة العضو الذكري على الصليب، وتم تغريم الصحفي جيرزي أوروبان بمبلغ 5000 يورو في 5 يناير 2005 لإساءته لشخص يوحنا بولس الثاني، وفي كندا يمنع القانون خطابات وأفكار الكراهية ضد أي مجموعة دينية أو عرقية، وفي 29 أبريل 2004 وافق البرلمان على قانون يمنع الإساءة لشخص بسبب ميوله الجنسية.
ومحصل هذا كله أن حرية التعبير في العالم الغربي ليست مطلقة من دون أي قيد، والإشكال أن تلك القيود المذكورة كثيرًا ما يختلف في تفسيرها، وفي تفسير مفهوم (الإساءة)، وهل يدخل فيها التعبير الفن بالرسم أو التمثيل؟الأمر الثاني: أن ضبط حرية التعبير من الناحية القانونية شائك جدًا بعد أن تداخلت الثقافات، وأصبح العالم كله كقرية صغيرة، فما الضابط لحرية التعبير؟ كثيرون ينادون بتقييد حرية التعبير بعدم المساس بالرموز الدينية للأديان السماوية، وهذا جميل، لكن الإشكال هنا أن الذين يدينون بأديان غير سماوية يقاربون نصف سكان العالم، وهم لا يعترفون بأن هناك دينًّا سماويًّا، ويطالبون بعدم المساس بمقدساتهم، ولهذا إذا أوسعنا دائرة الرموز والمقدسات لكل سكان الأرض نتج لدينا مقدسات هائلة؛ رجال، ونساء، وحيوانات، وجمادات.

 

تعليقات

مواضيع ممكن أن تعجبك إقرأ أيضاً