الصين وراء انقلاب زيمبابوي

هل أجازت بكين إطاحة رئيس زيمبابوي روبرت موغابي؟ لا أحد يعرف الجواب. ولكن يبعث على الريبة أن يزور قائد أركان جيش زيمبابوي، الصين قبل أيام من انقلابه على موغابي. ويرجح أن أحداً في بكين لم يعترض على خطوته. واستثمارات الصين ضخمة في هذا البلد في قطاعات التبغ والألماس والطاقة- وهي أكبر الدائنين. ولم يخف الاستياء الصيني، لا بل الغضب، من قانون «توطين» الوظائف، وهو قانون يُلزم الشركات الأجنبية بمنح رجال اعمال سود من زيمبابوي حصة راجحة من ملكية المشاريع. ويقوض هذا القانون مصالح الشركات الصينية. والصين امام خيارين: إما دعم زوجة موغابي، غرايس، أو نائبه المُقال، أخيراً، إيمرسون مناغاغوا- وإقالته كانت شرارة الانقلاب العسكري، فهو مقرب من الجيش ومسؤول عن مجزرة أودت بحياة 15 ألف زيمبابويي في الثمانينات. وقد يتراجع مناغاغوا عن قانون «التوطين»، على خلاف زوجة موغابي التي يرجح أن تطبقه وتتوسل به إلى قضم مزيد من الثروات. واعتماد آل موغابي ونائبه المقال على السيولة الصينية كبير، ويعود إلى سنوات خلت. والحق يقال إن زيمبابوي هي نموذج المقاربة الصينية في أفريقيا: استثمارات صينية ومساعدات عامة وخاصة، ضخمة. وركن النموذج الصيني هو نثر الأموال يميناً ويساراً، وشراء ولاء الطبقة المحلية الحاكمة وبناء ملاعب رياضية كبيرة ومرافق حكومية مقابل منح الشركات الصينية اليد الطولى في الموارد الطبيعية والاراضي والبنى التحتية والصناعات المحلية والأعمال. وليس مفاجئاً أن الشركاء الاثيرين على قلب بكين هم الديكتاتوريون والمسؤولون الفاسدون ورجال الاعمال. وعلاقات قادة افريقيا وثيقة بالصين: آل موغابي في زيمبابوي، وآل دوس سانتوس في أنغولا، والرئيس جاكوب زوما وآل غوبتا في جنوب أفريقيا. وقبل عقد من الزمن، ذاع خبر إرسال رئيس من شرق أفريقيا شهرياً كيساً من الأموال لإيداع الغنيمة الصينية في أوروبا. وغالباً ما تلجأ مشاريع البنى التحتية الصينية إلى يد عاملة صينية مستوردة، عوض توظيف السكان المحليين.

وتشوب هذه المشاريع شوائب كبيرة، وصيانتها أثر بعد عين. ولن يطول الامر قبل ان تتداعى البنى هذه في غياب الصيانة. وتنتشر أطلال مثل هذه الصروح الآفلة في أفريقيا، حتى قبل قدوم الصينيين. وعلى رغم أن بكين تشتري الولاء في أفريقيا، ستتعثر مساعيها في الأمد الطويل. فالأموال تشتري صداقات آنية، وحين تنضب تتبدد. وقلة من ابناء الدول الافريقية تجني المكاسب من الاستثمارات الصينية، والنقمة تتعاظم. ولن يطول الأمر قبل أن يتدخل جيش التحرير الشعبي الصيني لحماية الاستثمارات الصينية– ومشاريع استخراج المواد الأولية تحديداً- في أفريقيا. ويرجح أن تتدخل القوات الصينية من قاعدتها في جيبوتي لحماية التجمعات السكنية الصينية حين تنفجر نقمة الافارقة من الفساد والجشع الاقتصادي الصيني.
وعلى رغم ترجيح الصين كفة الديكتاتوريين والفاسدين في افريقيا، لا يسع الغرب الشماتة. فهو لم يروج للحوكمة الرشيدة في افريقيا قبل بروز القوة الصينية هناك. ويصف قاضٍ أفريقي المساعدات الغربية في افريقيا بـ»الاموال المعاد تدويرها». فما تنهبه النخب الافريقية الفاسدة يُنقل إلى أوروبا أو اميركا حيث ترحب المصارف المحلية بإيداعه. ثم ترسل الحكومات الغربية مساعدات وتعظ الأفارقة بعواقب الفساد. فيُسرق المال من جديد، ويرسل إلى أوروبا وتدور دورة الأموال هذه من جديد. وموغابي بقي في السلطة 37 عاماً، على رغم سجله الإنساني الدموي، واقتلاع الديموقراطية، وسرقة البلاد. ولم يحرك الغرب ساكناً ولم يدعُ إلى محاسبته. وأدى الغرب دوراً بارزاً في بلوغه السلطة. وليس التواطؤ الغربي مع موغابي يتيماً. فالحفاوة كانت في استقباله في طوكيو أكثر من مرة. ويتردد آل موغابي على الدوام الى هونكونغ وماليزيا وسنغافورة. ويقصد موغابي دورياً سنغافورة للعلاج الطبي، في وقت أن أفضل المستشفيات في هراري كانت مشرعة أمامه حين بلوغه السلطة في الثمانينات قبل أن تتداعى على وقع الاهمال والسرقة والفساد. والصين ستدرك يوماً ما أن الكولونيالية، ولو كانت سماتها صينية في افريقيا اليوم، ليست غير الكولونيالية، ولن يدوم صدوع الأفارقة بها.

* باحث، ديبلوماسي اميركي سابق، عن «إيجيا تايمز أونلاين» الهونكونغي، 20/11/2017، إعداد منال نحاس

نقلا عن صحيفة الحياة

تعليقات

مواضيع ممكن أن تعجبك إقرأ أيضاً